عبد الملك الثعالبي النيسابوري

198

اللطائف والظرائف

هول المطلع » « 1 » فأجراه في ضرب المثل به كل مجرى . وقال اللّه تعالى حكاية عن شأن الكفار : الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ « 2 » : فدل على عزته وعظم قدره . وقال أبو زيد البلخي « 3 » : معلوم أنه ليس من الجواهر الموجودة في العالم أطول بقاء من الذهب لما يرى من انقضاء الزمان بدون فساد يعرض عليه ، حتى أن العامة لتحكم بأنه جوهر لا فساد فيه البتة ، وإنما خص بهذا البقاء الطويل وإبطاء آفات التغير بسبب اعتدال مزاجه في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، فإن كل ما خرج من الأشياء المركبة عن الاعتدال إلى إفراط كيفية من الكيفيات الأربع أسرع إليه الفساد لغلبة تلك الكيفية ، ولذلك الفساد الذي هو ضد الكون سببه الخروج عن الاعتدال ، ولصحة مزاجه لم يوجد فيه صدأ كغيره من الجواهر ، والسهولة التي فيه لم توجد في غيره ، إذ كل ما عداه يكسب الأطعمة والأشربة المجعولة فيه نوعا من فساد الطعم والرائحة ، وكل ما أكل وشرب فيه وجد سليما من هذا العارض . ولذلك اختار الملوك العظماء الأكل والشرب فيه ووعد اللّه عباده به في دار الثواب ، فقال سبحانه : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ « 4 » كما قال في

--> ( 1 ) لسان العرب ، 8 : 235 ( ط . ل . ع ) حديث عمر رحمه اللّه عند موته . ( 2 ) آل عمران : 91 . ( 3 ) في الأصل أبو يزيد ، وهو أبو زيد أحمد بن سهل ولد في بلخ سنة 235 وتوفي نحو سنة 322 ه ، كان يجمع بين العلوم القديمة والحديثة ويسلك في مؤلفاته طريق الفلاسفة . ( الفهرست 198 ) . ( 4 ) الزخرف : 71 .